ابن قيم الجوزية

264

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

أنها في الدنيا ، وفي البرزخ . فإن من أعرض عن ذكره الذي أنزله ، فله « 1 » من ضيق الصدر ، ونكد العيش ، وكثرة الخوف ، وشدة الحرص والتعب على الدنيا ، والتحسر على فواتها قبل حصولها وبعد حصولها ، والآلام التي في خلال ذلك - ما لا يشعر به القلب ، لسكرته ، وانغماسه في السكر . فهو لا يصحو ساعة إلا أحس وشعر بهذا الألم . فبادر إلى إزالته بسكر ثان . فهو هكذا مدة حياته . وأي عيشة أضيق من هذه لو كان للقلب شعور ؟ فقلوب أهل البدع ، والمعرضين عن القرآن ، وأهل الغفلة عن اللّه ، وأهل المعاصي : في جحيم قبل الجحيم الأكبر . وقلوب الأبرار في نعيم قبل النعيم الأكبر إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 13 ) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ( 14 ) [ الانفطار : 13 ، 14 ] هذا في دورهم الثلاث . ليس مختصا بالدار الآخرة . وإن كان تمامه وكماله وظهوره : إنما هو في الدار الآخرة ، وفي البرزخ دون ذلك ، كما قال تعالى : وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ [ الطّور : 47 ] وقال تعالى : وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 71 ) قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ( 72 ) [ النّمل : 71 ، 72 ] . وفي هذه الدار دون ما في البرزخ ، ولكن يمنع من الإحساس به : الاستغراق في سكرة الشهوات ، وطرح ذلك عن القلب ، وعدم التفكر فيه . والعبد قد يصيبه ألم حسّي فيطرحه عن قلبه ، ويقطع التفاته عنه . ويجعل إقباله على غيره . لئلا يشعر به جملة . فلو زال عنه ذلك الالتفات ، لصاح من شدة الألم . فما الظن بعذاب القلوب وآلامها ؟ ! وقد جعل اللّه سبحانه للحسنات والطاعات آثارا محبوبة لذيذة طيبة . لذتها فوق لذة المعصية بأضعاف مضاعفة . لا نسبة لها إليها . وجعل للسيئات والمعاصي آلاما وآثارا مكروهة ، وحزازات تربي على لذة تناولها بأضعاف مضاعفة . قال ابن عباس « إن للحسنة نورا في القلب ، وضياء في الوجه ، وقوة في البدن . وزيادة في الرزق ، ومحبة في قلوب الخلق . وإن للسيئة سوادا في الوجه . وظلمة في القلب ووهنا في البدن . ونقصا في الرزق . وبغضة في قلوب الخلق » وهذا يعرفه صاحب البصيرة . ويشهده من نفسه ومن غيره . فما حصل للعبد حال مكروهة قط إلا بذنب . وما يعفو اللّه عنه أكثر . قال اللّه تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ( 30 ) [ الشّورى : 30 ] وقال لخيار خلقه وأصحاب نبيه أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [ آل عمران : 165 ] وقال ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [ النّساء : 79 ] .

--> ( 1 ) « ذكري » ما يذكر باللّه سبحانه . وهو أولا المشار إليه بقوله : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 21 ) وبقوله : هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ وهذا كثير جدا في القرآن . فإن الغفلة عن آيات اللّه وعن آثار أسمائه وصفاته في الأنفس والآفاق والانسلاخ منها : هو الذي أركس الإنسان في ظلمات الجاهلية . ومكن لولاية الشيطان منه فاتبع وحيه الجاهلي الوثني واتخذ القرآن مهجورا . فلم يحاول أن يتدبر آياته ، ولا أن يتلوه حق تلاوته لأنه زعم له أنه ليس بحاجة إليه لا في عقيدة ولا عمل ولا خلق ولا حال . فقد جمع له كل ذلك فيما زخرف له من القول غرورا . وزاده غرورا ومخادعة بإيهامه أن تكرار ألفاظ القرآن للموتى وللتبرك ، واتخاذ المصحف تميمة يخرجه عن المعرضين عن ذكر اللّه .